الشيخ محمد هادي معرفة

216

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

« فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » « 1 » حتّى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، والآخر يقول : أنا ابتدأتها « 2 » . وفي تفسير الزمخشريّ - عند قوله تعالى : « إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ » « 3 » - : وعن ابن عبّاس : ما كنت أدري ما معنى « يحور » حتّى سمعت أعرابيّة تقول لبُنَيّة لها : حُوري ، أي ارجعي . واستشهد الزمخشريّ بقول لبيد : وما المرء إلّا كالشّهاب وضَوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع « 4 » وقد جاء نفس الاستشهاد في مسائل ابن الأزرق أيضا « 5 » . وهكذا استطاع بثقافته اللغويّة أن يحيط بلغات القبائل ، ويميّز عن بعضها البعض . رُوي عنه في قوله تعالى : « وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً » « 6 » أنّه قال : البور ، فيلغة أزد عمان : الفاسد ، فأمّا عند العرب فإنّه لا شيء يقال : أصبحت أعمالهم بورا أي مبطّلة . وأصبحت ديارهم بورا أي معطّلة خرابا « 7 » . وقال فيقوله تعالى : « وَأَنْتُمْ سامِدُونَ » « 8 » السمود : الغناء ، وهي يمانيّة ؛ وفي قوله تعالى : « أَ تَدْعُونَ بَعْلًا » « 9 » قال : ربّا ، بلغة أهل اليمن ؛ وفي قوله : « كَلَّا لا وَزَرَ » « 10 » قال : الوَزَر : ولد الولد ، بلغة هذيل ؛ وفي قوله : « فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً » « 11 » قال : مكتوبا ، وهي لغة حميريّة ، يسمّون الكتاب أسطورا « 12 » . بل نراه لم يقتصر على الإحاطة بلغات القبائل ، حتّى ضمّ إليها التعرّف إلى الكلمات الوافدة إلى العربيّة من لغات الأمم المجاورة . قال في قوله تعالى : « إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ

--> ( 1 ) - . فاطر 1 : 35 . ( 2 ) - . الإتقان ، ج 2 ، ص 4 . ( 3 ) - . الانشقاق 14 : 84 . ( 4 ) - . الكشاف للزمخشريّ ، ج 4 ، ص 727 . ( 5 ) - . الإتقان ، ج 2 ، ص 64 . ( 6 ) - . الفتح 12 : 48 . ( 7 ) - . رواه ابن قتيبة مسندا له إلى ابن عبّاس تفسير غريب القرآن ، ص 412 . وأورده الطبري في التفسير ( ج 26 ، ص 49 ) من غير أن ينسبه إلى ابن عباس ، وأبدل « أزد عمان » بأذرعات ، ولعلّه تصحيف . ( 8 ) - . النجم 61 : 53 . ( 9 ) - . الصافّات 125 : 37 . ( 10 ) . القيامة 11 : 75 . ( 11 ) . الإسراء 58 : 17 . ( 12 ) . الإتقان ، ج 2 ، ص 89 - 91 .